عباس حسن

501

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

( ب ) من الأساليب الأدبية الشائعة : « كائنا ما كان » ، و « كائنا من كان » ؛ في مثل : سأفعل ما يقضى به الواجب ؛ كائنا ما كان . وسأحقق الغرض الكريم كائنا ما كان . . . أي : سأفعل ذلك مهما جدّ وكان ذلك الواجب ؛ وذلك الغرض . ومثل : سأرد الظالم : « كائنا من كان » - سأكرم النابغ « كائنا من كان » . . . أي : سأفعل ذلك مهما كان الإنسان الظالم ، أو النابغ . أما إعرابه فمتعدد الأوجه : وأيسر ما يقال وأنسبه هو : « كائنا » حال منصوب ، واسمه « 1 » ضمير مستتر تقديره : « هو » يعود على الشئ السابق ، و « ما » أو « من » نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب خبر « كائن » . و « كان » فعل ماض تام ، وفاعله ضمير مستتر يعود على « ما » أو « من » والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب صفة « ما » أو « من » . والتقدير النحوىّ : سأفعل ذلك كائنا شيئا كان . أو : كائنا إنسانا كان . أي : سأفعل ذلك كائنا أىّ شئ وجد أو أىّ إنسان وجد . ومن الأساليب المرددة في كلام القدامى الفصحاء - برغم غرابتها اليوم - قولهم : « ربما اشتدت وقدة الشمس على المسافر في الفلاة ؛ فكان مما يغطىّ رأسه وذراعيه ، وربما ثارت الرمال ؛ فكان مما يحجب عينيه ومنخرية . . . » يريدون : فكان ربما يغطى رأسه - وكان ربما يحجب عينيه ومنخريه ، أي : يغطيهما « 2 » . . .

--> ( 1 ) لأنه اسم فاعل من « كان » الناقصة فيعمل عملها . ( 2 ) تصدى لهذا الأسلوب عالم جليل معاصر من تونس - هو : الأستاذ محمد الطاهر عاشور العضو المراسل بالمجمع اللغوي القاهري - وخصه ببحث في الجزء التاسع من مجلة المجمع ( ص 116 ) عرض في الجلسة الحادية عشرة من الدورة الثامنة عشرة ووافق عليه المجمع وقرر أن ذلك أسلوب لغوى يراد منه الكثرة ، وقد يدل على القلة أحيانا . والبحث نفيس هام وملخصه مع الإيجاز هو : أن بعض المركبات استعملت استعمال كلمة مفردة ؛ كالذي ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس ونصه : « كان رسول اللّه يعالج من التنزيل شدة إذا نزل عليه الوحي ، وكان مما يحرّك لسانه وشفتيه . . . ) وقد أهمل ابن الأثير في كتابه : « النهاية » ، معنى قوله : « مما يحرك لسانه وشفتيه » وفسره عياض في كتابه : « المشارق » بأن معناه : « كثيرا ما يحرك به لسانه وشفتيه » وبعد أن فسره روى عن أحد الأئمة من شراح الحديث ما يأتي : « في مثل هذا كأنه يقول : هذا من شأنه ودأبه ؛ فجعل « ما » كناية عن ذلك ، ثم أدغم « النون » ، وروى عن آخر أن ( معنى : « مما » هنا هو : « ربما » وهذا من معنى ما تقدم ؛ لأن « ربما » تأتى للتكثير أيضا . وفي مسلم ، في حديث : النجوم أمنة السماء : « وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء » . . . تكون « مما » هنا بمعنى : « ربما » التي للتكثير ، وقد تكون فيها زائدة ) اه .